السفر بعيون امرأة عربية: من المرافقة إلى صانعة الرحلة

بقلم : سعاد الأحمدي |
مارس 22, 2025

السفر بعيون امرأة عربية: من المرافقة إلى صانعة الرحلة بالنسبة لي، لم يكن السفر يومًا تجربة عابرة، ولم يكن يومًا قرارًا شخصيًا منعزلًا.
أنا امرأة عربية، أؤمن بأن السفر لا يحدث فقط عندما تقلع الطائرة، بل يبدأ من لحظة نختار أن نفتح نافذة على العالم، ونحن نحمل معنا قيمنا، هويتنا، وعائلتنا.

منذ بداياتي، لم أسافر وحدي. كنت دومًا أسافر مع زوجي، ثم مع أبنائي، وأحيانًا مع عائلتي الكبيرة. ومع كل مرحلة، تغيّر معنى السفر، وتغيّرت أنا معه.


السفر من زاوية المرأة العربية: حكاية من الداخل

في مجتمعاتنا، كثيرًا ما ارتبطت فكرة السفر للمرأة العربية بالمحددات الاجتماعية.
السفر؟ نعم، لكن بحدود.
الوِجهات؟ يجب أن تكون “آمنة”.
الصحبة؟ لا بد أن تكون مألوفة.

لكن مع الوقت، بدأت المرأة العربية تكتب تجربتها الخاصة في الترحال. لم تعد مجرد مرافقة، بل صارت تخطّ مساراتها، تختار الفنادق، تحدد ميزانية الرحلة، وتضع أولوياتها حسب ما تحب وتحتاج.

وبالنسبة لي، لم يكن الأمر تمردًا، بل تطورًا طبيعيًا لنظرتي للعالم، ولنفسي كامرأة لها رأي، وحضور، ورغبة في أن ترى وتتعلم.

السفر بعيون امرأة عربية

تجربتي مع السفر كزوجة: شراكة الطريق والقرار

أول رحلة حقيقية عشتها كانت مع زوجي.
ولأن السفر يختصر الشخص في تصرفاته الحقيقية، فقد كانت تلك الرحلات لنا بمثابة اختبار حقيقي لنضج العلاقة.
تعلّمت من السفر أن الزواج لا يعني أن يمشي أحدنا خلف الآخر، بل بجانبه.
كنت أختار الأنشطة، أقترح التغييرات، أكتشف أماكن بعيدة عن السياحة المعتادة.
كنا نتقاسم التفاصيل، من قراءة خرائط المدن القديمة، إلى شراء الهدايا، إلى الصور العفوية في زوايا لم تُخطط.

وكل مرة نعود فيها من سفر، كنت أشعر أننا عدنا أقرب، وأنّ بيننا حديثًا مشتركًا لا يفهمه إلا من شارك الطريق.

السفر بعيون امرأة عربية

ثم أصبح السفر عائليًا: التحدي الأجمل

مع ولادة أول طفل، تغيّرت كل معادلات السفر. لم يعد الأمر يتعلق بنا فقط، بل بوجوه صغيرة تحتاج للرعاية في كل تفصيلة.
تحوّلت من رحّالة إلى أم تسافر.
لكن الغريب أنني لم أجد في الأمر تقييدًا، بل اكتشافًا جديدًا لنوع آخر من المتعة.

أن تسافر مع أبنائك، يعني أن ترى العالم مرتين: مرة بعينيك، ومرة بعينيهم.
ضحكتهم في طائرة لأول مرة، نظرتهم للثلج، استغرابهم من لغات لا يفهمونها… كل هذا يعيد إليك دهشة البدايات.

وكنت حريصة أن لا تكون الرحلات “ترفيهية فقط”، بل تجارب نغرس فيها شيئًا من القيم:

  • احترام الآخر
  • التواضع أمام الجديد
  • المرونة في التعايش
السفر بعيون امرأة عربية

ما الذي تغيّره الرحلات في الأطفال؟

السفر ليس فقط استمتاعًا، بل تعليم خفيّ.
الأبناء الذين يسافرون يتعلمون كيف يتعاملون مع الوقت، كيف ينتبهون لتفاصيل الأمان، كيف يديرون مصروفهم اليومي، وكيف يتواصلون مع الآخر دون أن ينطقوا نفس اللغة.

وكنت أحرص أن أعطيهم مساحة، حتى وهم صغار، أن يعبروا عن رأيهم في البرنامج اليومي، أن يختاروا مطعمًا، أو يلتقطوا صورًا بعدساتهم الخاصة.

مع الوقت، لاحظت أن الأطفال أصبحوا أكثر استقلالًا، وأقل تذمّرًا، وأكثر وعيًا بالمكان والزمان.


اليوم: الأبناء يسافرون بأنفسهم

اليوم، أبنائي صاروا كبارًا بما يكفي للسفر وحدهم.
أعترف أنني شعرت بالتردد في البداية.
هل سيعتنون بأنفسهم؟
هل سيحسنون التصرف في مطار مزدحم؟
هل سيتذكرون التفاصيل التي طالما راعيتها أنا؟

ثم حدث ما غيّر كل مخاوفي…
رأيتهم يحجزون بأنفسهم، يتعاملون مع التأشيرات، ويختارون فنادق في أماكن أعرف أنني كنت سأختارها أيضًا.
يسافرون في مجموعات صغيرة، يلتقطون الصور، يعودون وهم يخبرونني عن مدينة لم أزرها بعد… لكنهم جعلوني أشعر بها.

هنا فقط أدركت، أن كل ما زرعته فيهم، من حب السفر، والوعي به، والتقدير لكل لحظة… قد أثمر.

السفر بعيون امرأة عربية

هل السفر بعيون امرأة عربية مختلف فعلًا؟

نعم.
لأننا نسافر بقلب مزدحم بالحب، بالحذر، وبالحرص على أن نبني تجربة لا لنا وحدنا، بل لمن معنا.
نسافر ونحن نراعي مسؤولياتنا، لكن لا نتخلى عن شغفنا.
نختار المدن التي تناسب عائلتنا، نرتّب التفاصيل بدقة، نحرص على أن تكون الرحلة ذكرى لا تُنسى.

السفر بعيون امرأة عربية هو فن التوازن بين العطاء والمتعة، بين القيادة والاحتواء، بين الأم والرحّالة.


خاتمة: ماذا يعني السفر بعيون امرأة عربية اليوم بالنسبة لي؟

بعد كل هذه السنوات، لم أعد أرى السفر كحدث ننتظره، بل كجزء من أسلوب حياة اخترناه كأسرة.
من امرأة تخطط مع زوجها، إلى أم تقود أطفالها في مطارات العالم، إلى شاهدة على أبناء صاروا يسافرون وحدهم…
كانت كل محطة دليلًا على أن السفر يصنع فينا ما لا تصنعه الكتب.

“نزرع فيهم حب العالم، فيعودون إلينا بنسخة أجمل من أنفسهم… وهذا وحده يكفي.”

السفر بعيون امرأة عربية