في كل مرة أبدأ فيها رحلة جديدةمن قلب المطارات، أجد نفسي أقف أمام بوابة المطار وكأنني على عتبة بداية مختلفة. المطار بالنسبة لي ليس مجرد نقطة عبور، بل مساحة مليئة بالقصص والمشاعر المتداخلة، حيث تبدأ الرحلة قبل أن تقلع الطائرة. بعض المطارات مررت بها مرور الكرام، لكنها كانت هناك مطارات بعينها… غرابتها، فخامتها، أو حتى صخبها جعل منها محطات لا تُنسى. في هذه اليوميات، أفتح لكم صفحات من ذاكرتي، حيث تحتل المطارات دور البطولة في مشاهد لا تنسى من رحلاتي حول العالم.

مطارات غريبة… وكأنك تعبر إلى عالم آخر
ليست كل المطارات تقليدية بتصميم موحّد، صفوف طويلة، ومقاعد بلا هوية. هناك مطارات جعلتني أرفع حاجبي دهشةً من أول خطوة، وكأنها ترفض أن تكون مجرد نقطة مرور، وتُصر على أن تترك فيك أثرًا.
في كوه ساموي، الجزيرة التايلاندية الحالمة، شعرت أنني دخلت إلى حديقة استوائية لا إلى مطار. لا جدران، لا مكيفات صناعية، فقط أكواخ خشبية مفتوحة على السماء، وممرات تلامسها الأشجار، ونسيم البحر يلعب مع ملابسك. الموظفون هناك لا يهرولون، بل يبتسمون بهدوء، وكأن الوقت لا يعني لهم الكثير. هذا المكان كان أكثر من مطار، كان وداعًا ناعمًا للجزيرة التي أسرَت قلبي.
أما في بالي، فقد كان استقبال المطار جزءًا من طقس الوداع الثقافي. تماثيل الآلهة، العطور العطرية، والزخارف التقليدية، كل شيء يذكّرك بأنك في حضرة مكان له روح. حتى استلام الحقائب هناك يُشبه الدخول إلى معبد، لا إلى صالة انتظار.
كوينز تاون في نيوزيلندا قدّم لي مشهدًا طبيعيًا يفوق الخيال. كنت جالسًا عند نافذة الطائرة حين بدأت نغمة موسيقى الطبيعة في عزفها: الجبال المكسوة بالثلوج، البحيرات الصافية، وضوء الشمس الذي يرسم لوحات فوق الماء. وعندما نزلت، شعرت أني لا أحتاج إلى الخروج من المطار كي أعيش جمال نيوزيلندا.
في المقابل، مطار بنتان في إندونيسيا كان مختلفًا بسكينته. بسيط، لا ازدحام، لا صخب، فقط ترحاب هادئ وشعور بأنك في مدخل جزيرة خاصة. لا شيء يُسرعك، كأن الزمن قرر أن يتمهّل قليلًا ليمنحك لحظة هدوء.
ماناوس في البرازيل كان مفاجأة. مطار دولي وسط غابات الأمازون! خرجت من الطائرة لأتنفّس هواء رطبًا مملوءًا بروائح الأرض والماء. شعرت أني في قلب الطبيعة، وأن أي رحلة بعدها ستكون أقل دهشة.
ولم تكن تجربة بوراكاي الفلبينية مختلفة كثيرًا. المطار صغير جدًا، أقرب لبيت خشبي من طابق واحد. لا توجد شاشة رحلات ضخمة، ولا ممرات طويلة. فقط مساحة دافئة تحمل وُد الفلبينيين وتدعوك للهدوء.
في ماليه، عاصمة المالديف، كانت التجربة مائية أكثر من كونها جوية. تهبط الطائرة وكأنها تنزل على سطح البحر، تخرج من الباب لتجد قاربًا في انتظارك. الانتقال من الطائرة إلى الماء يحدث دون فاصل، وكأن البحر هو بوابة السماء.
أما مطار سانتوريني، فكان نسخة مصغّرة من الجزيرة نفسها. أبيض، بسيط، ومنسجم تمامًا مع المحيط. نوافذه تطل على تلال زرقاء وبيضاء، وصالته تهمس لك بأنك وصلت إلى مكان فيه كل شيء شاعري.

مطارات فاخرة… عندما يتحوّل السفر إلى متعة حقيقية
ليست كل لحظات السفر مرهقة، خاصة عندما تبدأ من مطار يقدّر الوقت الذي تقضيه فيه. هناك مطارات لا تكتفي بتقديم الخدمات، بل تجعل من انتظار الرحلة تجربة رفاهية خالصة.
مطار حمد الدولي في قطر كان تحفة فنية بكل المقاييس. الأرضيات اللامعة، التماثيل الفنية العملاقة، والأجواء الهادئة تجعل من كل خطوة فيه تجربة حسية. صالاته الواسعة، ركن النوم المجاني، المتاجر الراقية، وحتى الهدوء النفسي، كل شيء مدروس ليجعلك تشعر أنك ضيف مُكرم لا مجرد مسافر عابر.
أما مطار دبي الدولي، فهو قصة فخامة لا تنتهي. كأنك دخلت مركزًا تجاريًا عالميًا أكثر منه مطارًا. لا يوجد شيء لا يمكنك أن تفعله هناك: التسوّق، الطعام، الاسترخاء، وحتى الاستجمام في صالات الدرجة الأولى. شعرت فيه وكأنني في رحلة داخل رحلة.
في بكين داشينغ، كانت الحداثة تتجلّى في كل شيء. التصميم المذهل على شكل نجم بحر، السرعة في الإجراءات، والتكنولوجيا التي تعرفك وتوجهك دون أن تنبس بكلمة. كل شيء يوحي بأن المستقبل بدأ هنا.
شنغهاي بودنغ بدوره كان مثالًا للكفاءة. المطار يمر بك بسرعة عجيبة، دون أن تفقد فيه الإحساس بالراحة. كل ممر مدروس، وكل لوحة موضوعة في مكانها بدقة. شعرت أن الزمن هنا يُدار بذكاء.
أما مطار شانغي في سنغافورة، فهو ببساطة لا يُشبه أي مطار في العالم. شلال داخلي بارتفاع أربعين مترًا، حديقة فراشات، مناطق لعب، سينما، وحتى مسبح. هنا، قد تتمنى تأخير رحلتك لتستمتع أكثر.
في لوس أنجلوس حمل لمسة النجومية. رغم ازدحامه، إلا أن كل ركن فيه يعكس طابعًا أمريكيًا خاصًا. المتاجر، اللافتات، حتى الناس يبدون كأنهم خارجون من أفلام.

مطارات مزدحمة… صخبها جزء من شخصيتها
الازدحام قد يكون متعبًا، لكنه في بعض المطارات يتحوّل إلى مشهد اجتماعي مذهل. ترى فيه العالم كلّه يتقاطع، يتحدّث، يتحرّك، ويتلاقى.
في شيفول – أمستردام، رغم الزخم، شعرت بتنظيم عجيب. تجد مكتبة في أحد الزوايا، معرضًا فنيًا في الأخرى، ومقهى يعزف فيه بيانو حيّ. نعم، المشي طويل، لكن هناك ما يسرّ العين ويهدّئ البال.
في نيويورك كان صاخبًا إلى حد التعب، لكنه كان يعكس المدينة كما هي: لا تتوقف، ولا تنتظر أحدًا. الطوابير طويلة، لكن كل وجه تراه يحمل قصة، وكل لحظة تمر تُشعرك أنك في قلب العالم.
هيثرو في لندن كان أكثر تهذيبًا، لكن لا يقل زحامًا. تنوع المسافرين فيه مذهل. وكأنك تعبر القارات وأنت ما زلت واقفًا في الصالة رقم 5.
مطار إسطنبول الجديد كان كالحلم. مساحاته العملاقة، المحلات، الترتيب، البوابات… كل شيء واسع وحديث. لكنه يحتاج إلى تخطيط دقيق، لأن التنقل فيه يشبه المشي في مدينة داخل مدينة.
فرانكفورت، من جهته، كان درسًا في الدقة الألمانية. لا مجال للخطأ هنا. كل دقيقة تُحسب، وكل بوابة في مكانها، لكن الرحلة بين البوابات قد تكون اختبارًا حقيقيًا لقدرتك على اللحاق بالطائرة.

الخاتمة: بين بوابة المغادرة وبداية الحكاية
في كل مطار مررت به، لم أكن مجرد مسافر ينتظر إقلاع طائرته، بل راوي قصة جديدة، أو ختامًا لقصة قديمة. كل مطار زرته ترك في داخلي شعورًا مختلفًا، راسخًا كعلامة سفر خفية. بعض المطارات جعلتني أبتسم، بعضها جعلني أبطئ خطواتي لأعيش لحظته، وبعضها أعاد تعريفي للسفر من جديد.
وربما، من كل هذا، تعلّمت أن الرحلة لا تبدأ عند إقلاع الطائرة، بل حين تعبر بوابة المطار بقلب مليء بالتوقعات.
“في السفر، لا تبدأ الرحلة عندما تقلع الطائرة، بل حين تعبر بوابة المطار بقلب مليء بالتوقعات.”